رغم أن حارتنا _حارة الفدائية_ كانت تشبه كل حارات مخيم اليرموك من نواحٕ كثيرة، إلا أنها تميزت بشخصية متفردة. لم تكن جدرانًا ونوافذ، أو أبوابًا و أزقة فقط، كانت أشبه بكائن حي يتنفس بأصوات أهلها وزوارها. بعضهم سكنها، فصارت خطاه تعرف حجارتها أكثر مما تعرف طريقه إلى بيته. وبعضهم لم يسكنها لكنه زارها باستمرار، حتى صار صوته من ألحانها الثابتة، كالمطر الذي يزور الأرض فيصبح جزءًا من خضرتها.
صدقوني، الحارة التي تُحب هكذا لا تغيب، مهما ابتعدنا، هناك دائمًا خيط رفيع يشدنا إلى تفاصيلها الغريبة . الجدران، الحواري، النوافذ، البلكونات، الأصوات، العيون، للعيون فيها بالذات حكايات لا تحصى
الخجل في عيون الصبايا ، الشقاوة في عيون الأطفال، الحزن في عيون الأمهات وبعض النعاس في عيني ذلك الختيار ، الذي ما أن تغفو عيناه على كرسيه، حتى تبدأ حكاية أخرى، من نوع مختلف.
أبو الغالي من أولئك الرجال الذين لا يحتاجون إلى كثير من الكلام كي يصبحوا جزءًا من ذاكرة الحارة. ختيار هادئ، قليل الكلام كثير النوم يجلس دائمًا على كرسيه قرب الباب، يراقب المارة بعينين نصف ناعستين، ثم يغلبه التعب فينام حيث هو، كأن الكرسي صار سريره الرسمي، والحارة كلها تعرف موعد قيلولته.
كان له “شاروخ” فردتان قديمتان، تعرفان طريقهما إلى قدميه أكثر مما تعرفان طريقهما إلى البيت. وما إن يغفو أبو الغالي، حتى تبدأ الشقاوة تغزل في عيون أطفال الحارة ، تراقب المشهد، منتظرة اللحظة التي تنزلق فيها فردة من قدمه وتسقط على الأرض.
عندها تبدأ الحكاية. يأخذ أحدهم فردة، ويخطف آخر الثانية، ثم يركضون بها ضاحكين. فردة تُرمى في أول الحارة، وفردة في آخرها، ويظل أبو الغالي نائمًا لحظات، لا يدري أن شاروخه صار لعبةً صغيرة في أيدي الأطفال.
وحين يصحو، ينظر إلى قدميه، ثم إلى الأرض حوله، ويفهم ما حدث. فيغضب ويرتفع صوته بالسباب والتقريع . وهو يتمتم بكلمات لا تخلو من العتاب، لكننا كنا نعرف أن في سبابه مساحةً للضحك، وأنه يعرف أسماء الفاعلين حتى لو تظاهر بأنه لا يعرف.
كان الأطفال يركضون في الأزقة، وأبو الغالي يفتش عن فردتي الشاروخ، والحارة كلها تشارك في المشهد؛ بعضهم يضحك، وبعضهم يدلّه على مكان فردة، وبعضهم يتظاهر بالبراءة وكأنه لم ير شيئًا.
حين أتذكره اليوم، أتذكر الأشقياء الذين أخدتهم الدنيا وصاروا رجالاً و يغمرني شعور تلك البراءة التي كانت تسمح للناس أن يتشاقوا من دون أن تنكسر بينهم المحبة. جميع من في الحارة كان يعرف أن أبا الغالي سيعود إلى كرسيه، وأن الأطفال سيعودون إلى لعبهم، وأن فردتي الشاروخ ستجتمعان أخيرًا عند قدميه، كما تجتمع الأشياء الصغيرة في نهاية كل يوم.
ربما لو عاد أبو الغالي رحمه الله اليوم، وجلس على كرسيه نفسه، لنام قليلًا كعادته. وربما تسللت يد طفلٍ من الذاكرة، وأخذت فردة شاروخه، ثم رمتها في أول الحارة.
لكن من سيأخذ الفردة الثانية إلى آخرها؟، الحارة التي كانت تمتد بين فردتي شاروخ أبو الغالي، صارت اليوم أبعد من أولها وآخرها، وصار الوصول إليها يحتاج أكثر من ضحكة أطفال، وأكثر من ختيار يصحو ليبحث عن حذائه. ومع ذلك، ما زلت أراه في ذاكرتي جالسًا هناك، على كرسيه، صامتًا هادئاً مطمئنًا إلى أن تعيد إليه الحارة ما أخذته منه، ولو بعد حين.
لكن الصمت لم يكن عادة الحارة بالذات صباحًا. على العكس كانت زقزقة العصافير و صخب شارع اليرموك ، ثرثرات الجارات و أصوات الباعة المتجولين التي كنا نصحو عليها، تأتي لتُغني أيامها. منها صوت رجل لا يمرّ من أمامه أحدٌ دون أن يقف. لم يكن صوته عاليًا، لكنه كان مميزًا؛ يسبق حضوره أحيانًا، ويظل في المكان بعد أن يمضي.
بدأت الحكاية مع أبو محمود الديراني فلاح “خضرجي” يأتي من البساتين القريبة، يحمل خضاره وفاكهته إلى الحارة. في أول ذاكرتي، كان يأتي على طنبر يجرّه حمار، ثم تولى ابنه أبو زهير هذه المهمة لكنه كان يأتي على “طرطيرة”. وكانت تلك الطرطيرة بالنسبة إلينا نحن الأطفال ليست وسيلة لنقل الخضار؛ كانت مدينة الملاهي كاملة. كنا نتسلقها ونلعب فوقها، بانتظار انتهاء أمهاتنا من التسوق.
أما النداء المميز الموشوم في الذاكرة فقد توارثه الابن عن الأب :(يا ريان أسود، يا ريان زيني، بلدي هالعنب… يلا عَ التوت، يلا عَ المشموش!). كنا نعرف من صوته ما جاء به قبل أن نراه، وكانت أمهاتنا يعرفن من مواسمه أن فصلًا جديدًا قد بدأ.
لم تكن كل الحاجات تُدفع ثمنها في وقتها. كانت إحداهن تقول للخضرجي ببساطة: (سجّلها علينا) فيفتح دفتره، ويكتب الاسم والمبلغ، ثم يغلقه بهدوء، كأن الأمر لا يحتاج إلى كلام. كان يعرف أهل الحارة، والناس يعرفونه، وكانت الثقة بينهم تكفي.
أتذكر يده وهي تمتد إلى صناديق الخضار والفاكهة وهو يتذمر : ما في تنقاااااي تحت مثل فوق الله وكيل، وأتذكر أمهاتنا وهن يخترن حاجاتهن حبة حبة رغم تذمره، وأتذكرنا نحن الأطفال ونحن نتسلق الطرطيرة ونلعب بانتظار أن تنتهي أمهاتنا من التسوق.
بعد كل هذه السنوات، لا أذكر من تبدل الفصول والمواسم إلا صوت نداءه ، الكرز والعوجا يعني الربيع ، البطيخ والشمام يعني الصيف والعنب والتين بدايات الخريف و هكذا كانت الفواكه تقول لي إن أيامًا أخرى من السنة قد أقبلت.
لم نكن نحتاج إلى تقويم لنحسب الفصول؛ كانت البساتين القريبة هي تقويمنا، وكانت أصوات الباعة ومواسمهم جزءًا من أيامنا.ربما لم يعد ذلك الطنبر موجودًا اليوم، وربما اختفت الطرطيرة، وضاعت البساتين، وربما تبدد ذلك الدفتر بين قذائف الهاون والكيماوي. لكنني أظن أن لنا أسماءًا ما زالت مكتوبة فيه، ليست ديونًا مؤجلة، لكن شهادة على زمنٍ كانت فيه الحياة أبسط، وكانت الثقة بين الناس تكفي لتُسجّل الحاجة في دفتر صغير.
هكذا كانت بساطة الحياة؛ نعرف الفصول من ثمارها، ونعرف الناس من أصواتهم، ونلعب فوق الطرطيرة ريثما تتسوق أمهاتنا طبختها، ثم نعود إلى بيوتنا محمّلين بأشياء صغيرة لم نكن نعرف وقتها أنها ستصبح يومًا كل ما تبقى لنا من ذلك الزمن.
هل يا ترى لو عاد الخضرجي ، ومرّ من حارتنا كما كان، على طرطيرته، مناديًا بصوته:(يا ريان أسود، يا ريان ) سنخرج إليه كبارًا نحمل أعمارنا كاملة في وجوهنا، ما ضاع منا، سنين غربتنا وجراح الغياب ؟
ربما قلنا له كما كانت تقول أمهاتنا:( سجّلها كلها علينا ) ، فيبتسم، ويفتح دفتره القديم، ويعرفنا جميعًا واحدًا و واحدة بحيث لا نعود غرباء كما الآن ؟
نحن الذين اعتدنا أن الغريب في حارتنا لا يبقى غريبًا لفترة طويلة ، الغربة ترحل و الغريب يصبح جارًا قريبًا كما أصبحت عائلة ” أبو علي الأسمر” .
لم يكن “الأسمر” اسم العائلة، بل لقبًا أطلقه أهل الحارة عليهم بسبب لون بشرتهم . أيامها كانت الألقاب تولد بعفوية، وتلتصق بأصحابها حتى تصبح جزءًا من هويتهم. لم يكن أحد يسمي ذلك تنمّرًا، كانت الحارة تمنح الناس أسماءً تختصرهم، فيرضون بها و يبتسمون لها، وتمضي الحياة.
أذكر أنهم جاءوا من لبنان وسكنوا بيننا و أصبحوا منا. ففي حارتنا، لا يُقاس الانتماء بمكان الولادة، ولكن بالذكريات التي يحفرها أصحابها في القلوب.
كان أبو علي رجلًا خفيف الروح، لا يحتاج إلى مناسبة ليزرع ابتسامة.
في جامع البشير، كلما اصطف الناس للصلاة، وكان الشيخ أبو أحمد هزيمة، رحمه الله، يتقدمهم، كان أبو علي يرمي عبارته التي صارت من تراث الحارة: (ركابك جاهزين… سوق خالي… سوق) فتسري ابتسامة بين المصلين قبل تكبيرة الإحرام، ويهز الشيخ رأسه يمنة و يسرة، كأنه اعتاد أن تكون هذه الدعابة جزءًا من طقوس الصلاة، مثل الأذان ورائحة السجاد وهمسات الواقفين في الصفوف.
لم أكن أظن أن تلك العبارة ستكبر معي.
اليوم، كلما تذكرت أبا علي، لم أعد أسمع فيها مزاحًا. أسمعها كأنها نداءٌ يخرج من زمنٍ كامل، يخاطبنا نحن، أبناء الحارة، المصطفّين في محراب الذكرى.
أشعر أننا جميعًا نقف في صفٍ طويل، ننتظر إقامة صلاةٍ لا تنتهي. تمر السنوات، وينادينا العمر المأموم بالغياب كل يوم: (ركابكم جاهزين) لكن أحدًا منا لا يتقدم.
لسنا جاهزين.. كيف نكون جاهزين، وما زال في داخل كل منا بيتٌ لم يُقفل بابه، وزقاقٌ لم يغادره، ووجوهٌ ما زالت واقفةً في أماكنها، رغم أن أصحابها غابوا أو تفرقت بهم المنافي؟
يقولون إن الزمن يشفي، لكن بعض الأمكنة لا تسمح للزمن أن يؤدي عمله. تبقى معلقةً في القلب كما كانت، بكل تفاصيلها الصغيرة؛ بضحكة أبو علي، وابتسامة الشيخ أبو أحمد، وأصوات الأطفال التي كانت تملأ الحارة.
أظن أن أبو علي لو عاد اليوم، لوقف بيننا بالطريقة نفسها، ونظر إلى هذا الصف الطويل من الحنين، ثم قال مبتسمًا:
(ركابك جاهزين… سوق خالي)
وسأهمس له، كما سيهمس كثيرون من أبناء الحارة: لا يا عمي أبو علي لسنا جاهزين .
ما زلنا نصلي في محاريب الاغتراب صلاةً اسمها الذاكرة، ونؤخر التسليم، لأننا نخشى أن يكون التسليم اعترافًا بأننا لن نعود، كل شيء قد تغير. ونحن نعرف، في أعماقنا، أن الأمكنة لا تموت ما دام هناك من يذكرها، ولا يرحل أهلها حقًا ما دامت أصواتهم قادرةً على أن توقظ فينا هذا القدر من الحياة.
هكذا كانت حارة الفدائية.
ليست مكانًا، وإنما طريقة للحب والانتماء.
ريم رشدان
مخيم اليرموك مخيم اليرموك