بقلم ريم رشدان
في ذاكرةٍ لا يطالها النسيان، تمتدّ حارة الفدائية في رأسي كسطرٌ طويل من حياةٍ كاملة لم تُغلق بعد، وكأنها لم تكن يومًا مجرد حارة في مدخل مخيم اليرموك، كانت قلبًا نابضًا يعلّم الحجر معنى الحكاية، ويمنح الجدران قدرة الاحتفاظ بالضحك والنداء وخطوات الأطفال الصغيرة التي تركض بين البيوت المتلاصقة كالجسد الواحد.
هناك، كانت التفاصيل البسيطة تصنع العالم كله. رائحة فرن الخبز تتسلل مع صباحاتٍ خجولة، تختلط بأصوات الجارات وأحاديثهنّ الممتدة على عتبات البيوت، و أساطيح المنازل فيما كانت الشمس تنزل بهدوءٍ على حبال الغسيل التي تعرف كيف تستقبل الحياة بلا تكلّف.
كبرنا هناك على الحكاية قبل أن نعرف معناها، وعلى فلسطين لا كاسمٍ بعيد، بل حضورٍ يوميّ يسكن الكلمات التي تقولها الأمهات، والقصص التي يكررها الكبار كأن العودة موعدٌ مؤجل لكنه آتٍ لا محالة.حارة الفدائية اسم له مساحةٍ ليس فقط من الذاكرة، بل هي أيضًا بداية الحكاية الأولى في المخيم، مدخله، أول بناء تأسس فيه و الحارة التي انطلقت منها الدفعات الأولى من الفدائيين الفلسطينيين، ومنها تشكّلت البدايات الأولى لفكرة المقاومة في بساطتها الخام وصدقها الأول.
هناك، وقفت الجدران شاهدة على وجوهٍ و أسماء حملت الوطن في صدورها قبل أن يُكتب على الخرائط، وعلى خطواتٍ خرجت من الأزقة الضيقة نحو مصيرٍ أكبر من المكان نفسه، فبقيت الحارة منذ بداياتها مرتبطة بمعنى التضحية، كأنها كانت تُربّى على الفقد بقدر ما تُربّى على الحياة، وتركت أسماءهم عالقة على الجدران، ( جادة مفلح السالم، حادة علي الخربوش) تتحول إلى ظلٍّ دائم في المكان.
كيف للزمن أن يقنع القلب أن تلك الأزقة الضيقة كانت مجرد مكان، وهي التي كانت تتسع لكل طفولةٍ ممكنة، لكل حلمٍ صغير، لكل ضحكةٍ لا تعرف الخوف بعد؟ البيوت التي كأنها تتكئ على بعضها كي لا تسقط الذاكرة، و الأرصفة التي تحفظ أثرنا كما لو أنها تخشى علينا الضياع وشجرة الكينا الشامخة منزل العصافير في الصباحات القديمة، لما كان الضوء يدخل بخفةٍ بين الشقوق، يوقظ الحارة على أصواتٍ مألوفة: نداءات الأمهات، صراخ الأطفال، ورائحة فرن الخبز الذي لا يحتاج موعدًا كي يُشتهى.
كانت الأيام تمضي ببساطةٍ تشبه الطمأنينة، حتى حين كانت تُعطّل الحياة بأشياء صغيرة، كأيام “تزفيت” طرق الحارة، طبقة الزفت الساخن التي تُسكب فتوقف اللعب وتسرق الأزقة لساعات كأنها بحرٌ صغير يبتلع الحركة، كنا نقف على الشبابيك نراقبه بصمتٍ طويل، ننتظر أن يبرد كي تعود الحارة لنا من جديد، وكأن الطفولة كانت تُستعاد مع كل لحظة انتظار.
أو حين تمرّ “سيارة الدبان” ، تترك خلفها سحبًا بيضاء كثيفة، رائحةٌ حادة خارقة تشبه هذا الغياب. كنا نركض خلفها ببراءةٍ لا تعرف الخطر، نختفي داخل الدخان ونعود بعيونٍ دامعة وثيابٍ مشبعة برائحة غريبة، وكأن الحارة كلها كانت تتسع لذلك المشهد العابث الذي نحفظه اليوم كذكرى لا تُشبه إلا نفسها. كنا نضحك ونحن نختنق تقريبًا، ولا نعرف أن تلك اللحظات الصغيرة كانت تصنع لاحقًا حنينًا لا يُشبه أي حنين.أو حين نسمع في كل زاويةٍ من الحارة، تلك الأصواتٌ التي لا تغيب عن الذاكرة.
بائع الجوارب الذي يكرر نداءه حتى يصبح جزءًا من الجدران، (جوارب جوارب ) وبائع القضامة الذي يجرّ كلماته كأنه يوزّعها على الأزقة قبل أن يصل. ( قضامة اسطنبولية قضامة قضامة مالحة قضامة) كانوا يبدون كباعةٍ عاديين، لكننا كنا نحن أبناء الحارة نقرأ ما وراء الوجوه جيدًا؛ نعرف أن بينهم من يتخفّى بملامح البائع المتجول، بينما يحمل في صمته مراقبةً باردة للأزقة والناس. ومع ذلك، كانت أصواتهم نفسها تمتزج بالحياة اليومية، فلا تخرج من الذاكرة كخوفٍ صريح، بل كجزءٍ غامض من المشهد الذي تعوّدناه دون أن نفهمه تمامًا.
حتى بائع المازوت كان يسبق حضوره صوتُ زمورٍه الحاد يوقظ البيوت قبل أن يصل، لتعيش الحارة كلها على إيقاعٍ لا يهدأ، لكنه مألوفٌ ومطمئن رغم ضجيجه.
أما الزبّال كان يمرّ في الصباح بمكنسته الكبيرة، يجرّ خلفه غبارًا خفيفًا ورائحة بداية يومٍ جديد. كنا نشاغبه، ونحوّل كل تفصيلٍ صغير إلى ضحكة، مشبهين أي صاحب شعر منكوش بمكنسة الزبال في زمن قبل أن نعرف معنى التنمر كان كل شيء مادةً للسخرية البريئة، كأن الطفولة لا تعرف شيئًا عن ثقل الكلمات ولا عن معانيها اللاحقة. حياااااة ، حياة تُقال كما تُرى، بلا تأويلٍ زائد، بلا خوفٍ من الغد.
كان لطفولتي هناك لغتها الخاصة، لغةٌ لا تُكتب بل تُلعب. كنا نصنع عالمنا من لا شيء: من حجرٍ وفسحةٍ ضيقة وأرصفةٍ تعرف أسماءنا. لعبة الطميمة كانت تتحول فيها الحارة إلى مساحة اختباءٍ لا تنتهي، كأن الجدران نفسها تتواطأ على الغياب. وفي “الإكسة” كنا نرسم مربعاتنا على الأرض ونقفز بقدمٍ واحدة، نختبر التوازن كأنه اختبارٌ صغير للحياة.
أما “السبع بلاطات” فكانت رميًا وركضًا وضحكًا يتقاطع مع الصراخ بلا خوفٍ من الخسارة. وفي “صياد البط” كنا نركض كأننا نهرب من الزمن نفسه، نصرخ بأسماء بعضنا وكأن النداء جزءٌ من اللعبة، أما “عيش ميش” فكانت بساطةً تتحول إلى إيقاعٍ يملأ الزواريب ويجعلها أوسع من حقيقتها.
كانت تلك طريقة الحارة في تعليمنا الفرح قبل أن نعرف معنى الفقد والاغتراب.اليوم، حين تعود كل تلك المشاهد دفعةً واحدة، تنهمر كحياةٍ كاملة تمشي كالسيل الجارف داخل القلب خارج الذاكرة.
لا نشتاق إلى الأشياء كما كانت فقط، بل إلى أنفسنا كما كنّاها؛ إلى الأطفال الذين كانوا يركضون خلف الحياة بلا حساب، ويضحكون من أشياء صغيرة، ويصدقون أن الحارة لا يمكن أن تغيب.
رحلت الوجوه، وتبدلت الأزمنة، وبقيت الحارة كما هي في الداخل، “زمكان” ! يسكننا ويعيدنا إليه كلما أغمضنا الذاكرة على نفسها، نجد أننا ما زلنا هناك في الأزقة الأولى، حيث يبدأ كل شيء ولا ينتهي تمامًا.


مخيم اليرموك مخيم اليرموك