بقلم أشرف سهلي
يخبرني صديقي محمد شتات إن الكينا هي الهوية البصرية للمخيم..
أشاطره الرأي نسبيا.. فكثير من ذكريات اليرموك التي دارت في الظلال الوارفة والفيء كانت تحت شجرة كينا أو تمر عبرها..
يخبرني صديقي عدنان عبد الرحمن: “كنا في طفولتنا نقطف حبات الكينا ونضعها في قصبة الشرب ‘الشلمونة’ ونبصقها على بضعنا البعض .. هذه أول ألعابنا”.
أبو وليد وشجرة الكينا
وأما عن الكينا والأجداد فيخبرني عن قصة جده أبو وليد عمر الذي هجر من قرية الطنطورة قضاء حيفا في نكبة 1948م مع شجرة الكينا العملاقة. وتقول القصة إنه عندما جاء أبو وليد عمر وسكن مخيم اليرموك زرع شجرة كينا في شارع المدارس بالمخيم كانت أكبر شجرة كينا في المنطقة هناك، وعرفت الشجرة بين الأهالي باسم “شجرة أبو وليد”.
ويقول إن جده كان يربط “الطرطيرة” التي يملكها بشجرة الكينا تلك. وبعد أن كبرت الشجرة وأصبحت عملاقة وباشقة الارتفاع وتغطي على الأبنية الجديدة المحيطة بها والتي ملأت المكان بسبب التوسع العمراني وتزايد عدد السكان تقررت إزالتها من المكان من قبل البلدية، إلا أن أحدا لم يتجرأ على إزالتها أو تدميرها لسنوات نظرا لارتباطها الوثيق بأبو وليد. لم تزل شجرة الكينا التي زرعها أبو وليد عمر من المكان إلا بعد وفاته، لترتبط قصتها بقصة حياته في المخيم وتنتهي بوفاته.
الكينا وعصافير المخيم
أتذكر جيدا حين كانت تحلّ الساعة الأخيرة قبل أذان المغرب في رمضان، وهي الساعة الأصعب للصائمين، لكنها قد تكون الأمتع لبعضهم؛ كنت شغوفا بممارسة المشي في شوارع المخيم الرئيسية في هذه الساعة لأتفرج إلى الازدحام والفوضى الجذّابة ..
لم تكن دورة المشي تلك التي تسبق عودتي إلى البيت لتكتمل في حال لم أتوقف تحت إحدى أشجار الكينا الباشقة في المخيم ولا سيما على شارع اليرموك التي يقطن فيها ويحوم حولها جيش العصافير، كنت أتوقف لأسمع ترانيم تلك العصافير القاطنة فيها والتي تتكاثف معا وتتجمهر عند وقت الشفق والغروب..
تلك كانت من ذكرياتي مع شجرة الكينا في المخيم والتي أطمح وآمل أن أراها مجددا إن عدت زائرا أو مقيما في المستقبل..كثير من الأشجار دائمة الخضرة تغطي مساحات شاسعة من موطني الهولندي الذي لجأت إليه بعد الثورة، ربما هي أجمل من أشجار الكينا التي في اليرموك وربما هي هوية بصرية أكثر وضوحا لهذه البقعة البهية الشكل من جغرافيا العالم..
قد أقع في حب شجرة باشقة من الأشجار دائمة الخضرة هذه في هولندا أو طائر من سكانها يحط رحاله قبل المغرب ويسمعنا أنغامه من داخل عشه الكائن فيها، لكن الارتباط الروحي يصعب أن يشبه تلك التفاصيل التي تربط ابن المخيم بشجرة كينا على شارع اليرموك وعصفور دوريّ يحوم حولها ويغرد كما لو أنه يصرخ في إحدى مظاهرات تشييع الشهداء..
الأوكالبتوس العطرية (الكينا بلغتنا) شجرة دائمة الخضرة بجذعها العريض وطولها الباشق وظلها الوارف وصبرها على شظف العيش والجفاف وأنغام أوراقها عندما يغازلها النسيم وتمسك الجذع وأغصانه بالأرض عندما تغضب في وجههم الرياح العاتية ، تلك الشجرة بكل مالها تصلح أن تكون شعارا لإرادة الحياة الدائمة التي لا تقوى أي من الظروف على وأدها..
إنه القاسم المشترك الجوهري بين الكينا تلك وبين طائر الفينيق الذي يولد من العدم حين يظنه الجميع قد رحل عن الحياة . بل ربما يكون هو ذاته العصفور الدوريّ الذي تحط رحاله فيها أو قربها في ذاك المخيم وربما هو ذاته نحن أبناء ذاك المكان الجذّاب بكل تناقضاته ..
أسأل نفسي مؤخرا؛ طالما الأوكالبتوس تلك بتلك المواصفات الجميلة واسمها الكينا جذاب كما اسمها الطبيّ، وفوائدها تتعدى خدمة البيئة والاستخدامات الآدمية للطعام والدواء إلى مداواة الروح والذاكرة ..
طالما لديها كل هذا الثراء والغنى بتفاصيل وذكريات المكان صوتا وصورة ورائحة؛ فلماذا لا نعتمدها هويتنا البصرية كأبناء لذاك المخيم المليء بجذوعها وأوراقها؟! أو لماذا لاتكون الكينا هويتنا الذهنية التي نتخيلها عندما نريد تذكر المخيم فذاك عالم أعمق وأدق بكثير ممايمكن أن نكتفي بمشاهدته!..
وأنتم ماهي ذكراكم مع شجرة الكينا في مخيم اليرموك؟!



مخيم اليرموك مخيم اليرموك