شارع لوبية .. المكان الذي ما زال يسكنني

بقلم أشرف سهلي

لا أعرف إن كان الإنسان يختار المكان الذي ينتمي إليه، أم أن المكان هو الذي يختار أن يسكن الإنسان إلى الأبد. بالنسبة لي، لم يكن شارع لوبية، مجرد شارع في مخيم اليرموك، بل كان وطناً صغيراً احتضن طفولتي وبدايات شبابي، قبل أن يتحول إلى ذاكرة أحملها أينما ذهبت.

منذ العام 1999م وكنت حينها في الصف الخامس، أي بعد انتقالنا من حارة السهلية في مخيم فلسطين إلى شارع لوبية بالقرب من معهد المستقبل، كبرت على ضجيج السوق، وعلى ازدحام الناس، وعلى أصوات الباعة والبسطات التي كانت تبدأ مع الصباح ولا تهدأ حتى ساعات المساء. كان شارع لوبية سوقاً تجارياً نابضاً بالحياة، تتجاور فيه محلات الملابس وكأنها علب كبريت لكنها لطيفة جميلة، ويقصده الناس من دمشق ومدن سورية كثيرة، خاصة قبل عيدي الفطر والأضحى. كانت تلك الأيام بالنسبة لي أجمل أيام السنة؛ الشارع يغص بالناس، والفرح يملأ الوجوه، وكأن الجميع يحتفل بالحياة.

واسم الشارع نفسه يحمل حكاية. فقد سُمّي على اسم قرية لوبية الفلسطينية في قضاء طبريا المحتلة إثر نكبة فلسطين في 1948، وكأن فلسطين بأسماء مدنها وقراها كانت حاضرة في تفاصيل المكان قبل أن تكون حاضرة في الوعي الجمعي للسكان اللاجئين إلى المخيم.

أحببت تفاصيل هذا الشارع كلها؛ حجارته، أرصفته، حتى المطبات في الطريق. قد يراها الآخرون بسيطة أو غير جميلة مقارنة بأماكن عشت فيها لاحقاً، في لبنان أو أوروبا، لكنها بالنسبة لي كانت أجمل ما يمكن أن أراه، لأنها كانت بيئة النشأة وبدء صلابة العود.

في الشتاء، كان للمشي في لوبية سحر خاص. المطر الخفيف، وانعكاس الأضواء على الإسفلت، والنساء الأنيقات يمينا وشمالا، كلها كانت تمنح المكان رومانسية هادئة لا تزال تسكن ذاكرتي.

البيوت في الشارع متلاصقة بطريقة تجعل الحياة أكثر دفئاً. لم تفصل المسافات بين الجيران فالإسمنت لم يقو على ذلك وكانت القلوب متقاربة. في بيتنا كان هناك “تراس” واسع يطل على الشارع مساحته تعادل نصف مساحة البيت، قبل أن نبني فوقه غرفتين مطلتين على الشارع في العام 2003. أمضيت على ذاك “الترّاس” المغطى بسقف صيفي من القصب الجميل الذي يشبه تراسات البحر المتوسط، أمضيت ساعات طويلة ألعب كرة القدم وأحلم أن أصير لاعبا وأراقب حركة الناس عبر الشرفات وفي بعض المرات كانت المرة تسقط على رؤوس المارة في الطريق.. الحمد لله لم يمت أي منهم أو يصب بأذى نتيجة ذلك. لم أدرك أن تلك اللحظات ستصبح يوماً ما ضمن أثمن ذكرياتي. ذاك الترّاس الجميل نظمت فيه في العام 2001 معرضا لصور انتفاضة الأقصى التي أمضيت عاما كاملا أجمعها من الصحف العربية والمجلات وألصقها في كراتين كبيرة.

ويبلغ عدد لوحاته حوالي المائة لوحة حينها وتضمن ملصقات فيها جداول أسماء شهداء انتفاضة الأقصى الذين كانت تحصيهم جريدة “الحرية” التابعة للجبهة الديمقراطية حينها. كما حصلت وأنا كنت في الصف السادس فقط على منشورات وبروشورات من داخل الأرض المحتلة تحرض الناس على الانتفاضة وعليها شعارات “السلطة الفلسطينية”، السلطة ذاتها التي تقمع المظاهرات والمواجهات الفلسطينية مع جنوظ الاحتلال اليوم وتنسق أمنيا مع شرطته وجيشه في الضفة المحتلة. نعم كل تلك الذكريات الجميلة التي جمعت كادرا من “حركة فتح” بآخر من “حركة فتح الانتفاضة” لبتجادلا ، كانت على تراس بيتنا في العام 2001م.

جاء في تلك الفترة مبعوث من فرع فلسطين ليستفسر عن الموافقة الأمنية، وقال له والدي إنه معرض فني لطفل صغير وليس نشاطا سياسيا. بالنسبة لي بدأت الثورة السورية ضد أمن الأسد ونظامه وبدأ الوعي الوطني بشقيه الفلسطيني والسوري يتشكل منذ تلك اللحظة. لقد انتصرنا على المبعوث الأمني بأن استمر المعرض أسبوعا كاملا زسمع به القاصي والداني وكتبت عنه صحيفة عربية وأعد له المرحوم الفنان محمود سعيد تقريرا تلفزيونيا حيث كان يعمل حينها لقناة تلفزيونة لبنانية.

ولأن كرة القدم كانت شغفي منذ الصغر، ولعبت لاحقاً لفترات لا بأس بها مع أندية محلية في المخيم ودمشق، فقد ارتبطت طفولتي أيضاً بلعبة “فيفا”. كنت أقضي ساعات أمام الكمبيوتر القديم الذي اشتراه والدي في العام 2000م، ألعب النسخ الأولى من اللعبة، وأتابع مباريات كرة القدم بشغف لا ينتهي. وحتى اليوم، كلما جاء كأس العالم، تعود إليّ تلك الليالي والنهارات الجميلة.

رمضان كان له طعم آخر في شارع لوبية، بعد أذان المغرب مباشرة، كان الشارع يهدأ للحظات بينما يفطر الناس، ثم يعود للحياة من جديد. كنا نركض أنا وشقيقاتي في هذا الوقت الجميل إلى بقالية أم هشام العايدي، رحمها الله، لنشتري الأكلات الطيبة والشيبسات وكنا نبتهج بالهدوء الذي في الشارع عند المغرب وكأننا ننجز أمر كبيرا قبل العودة إلى البيت لمشاهدة مسلسلات رمضان. وكانت هناك أيضاً بقالية أبو دياب رحمه الله باتجاه مشفى الجمعية “الباسل سابقا”، التي كانت أشبه بصندوق كنوز للأطفال؛ تجد فيها الأشياء التي لا تجدها في أي مكان آخر، حتى لو كانت قديمة وعتيقة ومنتيهة الصلاحية لكنها كنز، فإن لم تجد بسكوت حيوانات أو شوكولاتة روبي أو شيبس توتو أو رنيم على زعتر ستجدها عند أبو دياب “مرطبة قليلا” لكنها قطع مفقودة وسعادة حيازتها تفوق حيازة 100 ألف يورو في هذا الزمان.

كما إن بقالية ياسر في نفس اتجاه أبو دياب وتقابلها على الزاوية مرتبطة في ذاكرتي بسكاكر السوس وجوز الهند، وشوكولاتة “ديما” الصغيرة ذات الغطاء الأخضر “تبع الليرة” التي كانت بالنسبة لنا سعادة كاملة وإدمانا.

ولا يمكنني أن أنسى محل “مرطبات حسام” على “سوكة” زاوية لوبية صفد، حيث كنت أشتري الكوكتيل موز بحليب وتشيزبرغر في سهرات الصيف. ولا تنسى روائح العطى التي كانت تعبق في الشارع من متاجر العطارين جيراننا عادل ووائل أبناء درعا الأبية وأثحاب محلي عطورات “الحرمين” و”غاردينيا” تحت بيتنا . ظلت أكثر رائحتين عالقتين في ذاكرتي هما “فهرنهايت” و”ديزاير” للرجال، أحبهما كثيرا صيفا وشتاء. حتى اليوم، عندما أشم إحداهما مصادفة أعود فوراً بالذاكرة إلى شارع لوبية، إلى حوالي السادسة أو السابعة مساءً بتوقيت دمشق ومخيم اليرموك، حين كانت الحياة تبدو أجمل وأكثر دفئاً.

ومن أجمل الأماكن أيضاً كانت جلساتنا في علية دكان العم أبو علاء (محمد ياسين)، رحمه الله الذي كان خياطا بارعا. في الأعياد، وفي كثير من الأيام العادية، كنا نجتمع هناك. وعلى علية محله، كنا نتحدث في السياسة عن سوريا وفلسطين بحريّة، في زمن قبل الثورة بسنوات حين كان الخوف والرعب سيد الموقف. كنا نثق ببعضنا نشطاء شيبا وشبانا بينهم والظي ورفاقه، ونجتمع على حب فلسطين، وعلى حلم الحرية في سوريا.

أتذكر أيضاً أول مظاهرة شاركت فيها مع بداية انتفاضة الأقصى عام 2000، بعد استشهاد الطفل محمد الدرة. يومها احترقت يدي وأنا أحرق العلم الإسرائيلي، فأسعفني جارنا الصائغ موفق العايد محله في شارع لوبية تحت بيتنا. كانت تلك أول مرة أشعر فيها أن القضية ليست خبراً على شاشة التلفزيون، بل جزءا من حياتي وجزءا من اليرموك ولوبية.

ثم جاءت الثورة السورية عندما كبرت قليلا في السنة الأخيرة في الجامعة، وتغير كل شيء. أصبح شارع لوبية، الذي كان يعج بالحياة، منطقة يخيم عليها الخوف. كانت سيارات الشبيحة مع بدايات انغماس المخيم مكانيا في الثورة وخروج مظاهرات عديدة واستشهاد عدد من أبنائه فيها مطلع العام 2012 تجوب شارع لوبية ومحيط مربع بيتنا ليلا بشكل غير معلن لبث الرعب في قلوب السكان. بعد أسابيع من القصف العشوائي و”التشبيح” غادرت كثير من العائلات بيوتها في مربعنا بلوبية وأغلقت معظم المحال مبكرا قبل غيرها في وسط اليرموك لأننا أول مربع يلتصق بساحة لوبية وشاعر فلسطين الذي بات شبه مهجور حينها ونقطة تماس وغادروا إلى مناطق أكثر أمناً داخل المخيم خاصة على شارع اليرموك الأكبر. وتحولت الحارة القريبة من مشفى الباسل، التي كانت يوماً مكاناً نشتري منه الحلوى والأكلات الطيبة ونبني ذكريات طفولتنا، إلى طريق تمر منه سيارات الإسعاف وهي تحمل الجرحى القادمين من المناطق التي يقصفها النظام ويقنص قناصته سكانها.

ومن أكثر القصص التي تؤلمني قصة جارنا معتصم، الشاب القادم من حماة كان له محل لبيع الإكسسوارات والمكياجات. استشهد معتثم بعد أن اعتقله النظام عندما وجد على هاتفه صوراً لمظاهرات مخيم اليرموك الأولى في 2012 حيث تم توقيفه في رمضان في منطقة يلدا المجاورة للمخيم حيث كان يتفقد بيته هناك. رحل معتصم، حيث وجدنا صورته مع عدد آخر من الشهداء على صفحة “تنسيقية البهدلية بريف دمشق” حيث تم إلقاء جثثهم هناك م نقبل جيش الأسد بعد تصفيتهم وبقي اسم معتصم ووجهه الجميل شاهداً على زمن دفع فيه كثيرون حياتهم ثمناً للحرية.

عندما دخلت قوات النظام إلى المخيم عام 2018، نهبت بيتنا بالكامل. سرقوا الأثاث، والأجهزة، وحتى رخام المطبخ وحديد النوافذ. في غرفتي لم يتركوا حتى خشب المكتب، وفي غرفة أخواتب لم يبق شيء إلا صورة تامر حسني. أما مكتبة والدي الكبيرة، التي كانت تضم مئات الكتب، فقد جمعها عمي في غرفة الضيوف أملاً في إنقاذها، لكنه عاد في اليوم التالي فلم يجد منها شيئاً. لا نعرف أين ذهبت، ولا إن كانت أُحرقت أو سُرقت. والمفارقة المؤلمة أنهم تركوا شيئاً واحداً فقط في كل البيت: خريطة فلسطين المعلقة على جدار غرفة الضيوف، حتى درابزين النوافذ سرقوه، وكأنهم أرادوا أن يتركوا رمزاً ويتاجروا بقضية، بينما كانوا ينهبون بيوت الفلسطينيين ويهجّرون أهلها.

ورغم كل هذا الألم والنكبة التي تشبه نكبة غزة ونكبة 1948 بملامحها ولا يختلف الفاعلون بل هم أكثر إجراما وحقدا، تبقى الوجوه أجمل ما في الذاكرة. الحاجة أم وسيم عودة جارتنا الجميلة، رحمها الله، التي كانت تسكن تحت بيتنا، كانت بالنسبة لي الجدة القالثة. لم يكن بيننا حديث طويل، لكن مجرد رؤيتها مصادفة وأنا أنزل على درج بنايتنا نحو الشارع، كان يمنحني شعوراً بالأمان والانتماء.

وأبتسم اليوم كلما تذكرت الجدة أم وسيم وهي تطلب مني وأنا في العاشرة من عمري أن أذهب إلى سوق الخضار في شارع فلسطين خلف بيتنا لأشتري لها بعض الحاجيات. كنت أتذمر أحياناً منها ومن أمي قبل الذهاب لكنني اكتشفت بعد التهجير وبت شابا أن تلك الطلبات البسيطة كانت من أجمل تفاصيل الحياة، لأنها كانت تعني أن البيت كان عامراً، وأن الطريق إلى السوق كان جزءاً من يوم عادي يعيش فيه الناس كنت أنا جزءا منه.

ولأكون أكثر جرأة، فحتى قصة الحب التي لم تبدأ، مع جارتنا زميلة الدراسة في الجامعة التي كانت تسكن بالقرب منا في شارع لوبية، بقيت جزءاً من ذاكرة المكان. ربما لو تصرف كل منا بطريقة مختلفة، لكانت الحكاية سلكت طريقاً آخر. لكنها بقيت مجرد احتمال جميل، يضيف إلى الشارع حكاية أخرى من حكايات الحياة.

اليوم، أكتشف أن شارع لوبية لم يغادرني إطلاقا رغم مرور 15 عاما على آخر لقاء بيننا. ما زالت روائحه، وأصواته، وأسماء رواده من جيران تجار وسكان، ووجوه ناسه، تمشي معي أينما ذهبت.

قد تُسرق البيوت، وقد تُهدم الشوارع، لكن لوبية رغم كل ذلك ظل صامدا نسبيا مقارنة بغيره من شوارع المخيم، وقد يتفرق أهل المكان في أصقاع الأرض، لكن المكان الحقيقي لا يسكن الحجر؛ إنه يسكن الإنسان. ويبقى قطعة من روحه.

هذا غيض من فيض، فالتفاصيل كثيرة والقصة أعمق من ذلك بكثير.. يتبع

حول أشرف السهلي

صحفي فلسطيني سوري مواليد مخيم اليرموك

شاهد أيضاً

محطة (2) ـ تغريد دواس

ثم تتساءل كأي شاب عشريني أين مضت العشر سنوات تلك حتى تعثرت بالثلاثين عام دون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *