مخيمـ/ جيّات : في التفاصيل ننجو من الغياب 2

كتبت ريم رشدان

قبل أن تعرف حارتنا الدكاكين الحقيقية، كانت غرفة الحجة أم عمر دكاننا الأول. لم يكن دكانًا بالمعنى الذي نعرفه اليوم، إنما زاويةً من بيتها، تبيع فيها للأطفال أشياء قليلة، لكنها كانت تكفي لتصنع فرحًا كبيرًا.

أيامها لم نعرف الشيبس، ولا الآيس كريم الذي صار فيما بعد جزءًا من طفولة الأجيال. كانت متعتنا في النعومة، قضامة عَ سكر و إسكا عَ لبن، و أشياء بسيطة أخرى كانت، بالنسبة إلينا، تساوي الدنيا.

في تلك الزاوية الصغيرة، كان الفرح يُباع بلا ترتيب، ويُشترى بعيونٍ واسعة أكثر مما يُشترى بيدين صغيرتين. صحيح لم يكن هناك الكثير، لكن كان ما يكفي تمامًا ليبدو العالم بخير.افتُتح أول دكان بقالة حقيقي في حارتنا، في بيت الشريف. بدا لنا وكأنه نافذةٌ على عالمٍ أكبر. كان لديهم ابن، شاب بشعرٍ أشقر يميل إلى الحمرة، وملامح دافئة يقف خلف البضاعة بهدوء، يبتسم للأطفال المحتارين بين قطعة بسكويت، أو مصاصة، أو علكة ملوّنة. لم نكن نعرف أن الأيام ستختطفه شابًا. رحمه الله. 

اليوم كلما تذكرت ذلك الدكان أراه واقفًا هناك بنفس الابتسامة الدافئة بذات الصبر الطويل، شابًا في الذاكرة إلى الأبد.في ذلك الدكان عرفنا أشياء جديدة لأول مرة البسكويت، والمصاص، والعلكة الملوّنة. لم تكن بعشرات النكهات كما هي اليوم، كانت عبارة عن كرات صغيرة بلونين فقط؛ صفراء بطعم الليمون، وحمراء بطعم الفريز.وذات يوم اكتشفنا، نحن البنات، أن صبغتها تلوّن كل ما تلامسه. فصرنا نفركها على خدودنا و شفاهنا، قبل ان نعلكها حتى آخر ذرة سكر، ثم نقف أمام المرايا بدهشة الاكتشاف الأول لأسرار الزينة.

ربما هناك بدأت حكايتي مع شغفي بالألوان وطعم السكر.كنت أقف طويلًا أمام المرآة، أزيّن وجهي بذلك الأحمر الخفيف، وأسرّح شعري مرةً بعد أخرى، جدائل تسرح على الكتفين، او ربما ذيل حصان غير عابئةٍ بشيء. لم أعرف من فقه الحياة سوى أن الألوان تجمّل الأشياء، والسكر يمنحها نكهةً أجمل.كانت أمي تنهرني، بينما تضحك الجارات، وتقول إحداهن:”معلش يا ريم… مو جاي العريس اليوم.”فأنظر إليها بنظرة حادة، ثم أعود إلى المرآة ، كأن شيئًا لم يكن.

كان للمخيم موهبةٌ نادرة؛ أن ينتشل الفرح من أكثر الأشياء تواضعًا، وأن يكسو التفاصيل الصغيرة جلالًا لا تمنحه الوفرة. كأنه، على قسوة أيامه، كان يعلّم أبناءه أن النعيم ليس فيما نقتنيه، بل فيما نستطيع أن نُحبّه.

ولأنني في زحمة الأشياء القليلة تحول شغفي إلى يقينٍ طفولي بأن العالم يمكن أن يكون جميلًا بهذا القدر البسيط ، كقطعة كاتو حلوة مع كريمة بلونين أبيض و زهري وصوت بعييييبد من الذاكرة يصيح:”كاتوووووو… تااااااازاااااا…”

ما إن يبلغ مسامعي، حتى تقفز الطفلة التي كنتها إلى الشباك بعفوية العصافير. لا تسأل عن شيء، ولا تفكر في شيء، سوى أن ترى الصينية المعدنية تقترب، وأن تتأكد أن نصيبها من الفرح لم يسبقها إليه أحد. نهارٌ يبتسم، عيدٌ صغير يمشي على قدمين، تحمله يدٌ بسيطة، ويعلن قدومه صوت أحد أبناء الجيران، صوت كان جزءًا من ذاكرة المكان وبقي فيه.

إسفنجٌ ذهبيّ، خفيفٌ كغيمة، تعلوه خطوطٌ من الكريمة البيضاء والوردية، مرسومةٌ بعنايةٍ تختلف كل منها عن الأخرى.لم نكن نعرف سرّها، لكنها كانت تبدو لنا أجمل من كل ما يمكن أن تصنعه الحياة. الأبيض يشبه نقاء طفولتنا قبل أن تمسّه الخيبات، والوردي يشبه خجل الأحلام الأولى، حين كانت الأمنية تكبر في القلب أسرع مما تكبر في الواقع.

في المخيم الذي عرفناه، كانت الأشياء الجميلة قليلة، ولذلك كنا نحبها بعمق. لم نكن نبحث عن الفخامة، لأننا لم نعرفها أصلًا، لكننا عرفنا كيف نمنح البسيط مكانةً لا تبلغها كثيرٌ من الأشياء الثمينة. هناك، كانت قطعةُ كعكٍ تساوي احتفالًا، وكان صوتٌ يتردد في الأزقة قادرًا على أن يفتح في القلب نوافذ لا تغلقها السنون. ولهذا، كاتو تازا أصبح طقسًا من طقوس الطفولة، وعدًا خفيًا بأن الحياة، مهما ضاقت لاتزال تخبئ لنا لحظةً تستحق الابتسام. قد يبدو غريبًا أن تحمل قطعة كاتو كل هذا الاتساع. لكنها تحمله فعلًا.

تحمل أصواتنا ونحن نركض خلف البائع، ووجوه الأمهات التي كانت تشرق، ولو للحظات، رغم تعب الأيام، وتحمل رائحة الحارة في آخر النهار، وضجيج البيوت الذي كان، على فوضاه، أشبه بنشيدٍ للألفة.

لم يصنع المخيم الرفاه، لكنه صنع المعنى. كان يعلّمنا، من حيث لا ندري، أن الأشياء لا تكبر بأثمانها، بل بما تتركه في القلب من أثر.لذلك بقيت قطعة كاتو تازا مرجعًا لذاكرة المخيمجيين الشباب، مرآة لزمنٍ كامل، وملامح جيلنا بأسره، وحنينًا يمكن أن يستيقظ من لونين: زهري وأبيض.

كبرت… وكبرت معي المدن، وتعددت المخابز، وازدانت الواجهات بأصنافٍ لا تُحصى من الحلوى، وتفننت أنا شخصيًا في صناعة أجمل و أفخم الكيكات، لكن شيئًا منها لم ينجح في أن يعيد تلك الرجفة الأولى التي سكنت القلب عند سماع ذاك النداء البعيد. لأدرك أن المذاقات لا تُحفظ في اللسان، إنما في الذاكرة. والروائح لا تخرج من الفرن، بل من الحارة و الأصوات لا ينتهي صداها أبدًا، لأنها ارتبطت بأيامٍ لم تكن كاملة، كانت صادقة، حقيقية. 

اليوم، كلما وقعت عيناي على قطعة كاتو ، يعود إليّ ذلك الصوت من أقصى الطفولة، واضحًا كما كان، فأرى طفلةً تقف على أطراف أصابعها عند النافذة، تحدق في آخر الحارة بعينين تلمعان انتظارًا، مؤمنةً أن السعادة قد تأتي أحيانًا على شكل صينيةٍ معدنية، يحملها شابٌ ينادي بأعلى صوته: “كاتوووووو… تااااااازاااااا…”

بقيت في الذاكرة تفتح بابها كلما مرّ لونٌ وردي أو أبيض، أو طعمٌ يشبه ما كنا نظنه يومًا نهاية الفرح. هناك، بين ما كنا نراه لعبًا وما صار لاحقًا معنى، تشكل شيء يشبه الوطن؛ بعيدًا عن المكان، إنه الإحساسُ الناعم بالانتماء إلى ما كان بسيطًا وصادقًا أكثر مما ينبغي.

حول ريم رشدان

فلسطينية من مواليد مخيم اليرموك، كاتبة ومترجمة، تخرجت من جامعة دمشق، كلية الآداب، قسم أدب انجليزي، وحاصلة على ماجستير لغويات، وماجستير ارشاد نفسي وتربوي. لها عدة كتابات منشورة. مقيمة حاليا في ألمانيا.

شاهد أيضاً

أزهار الحسن.. صورة العيد الأولى قبل الخروج إلى الشهداء

إياد الحسن   مشهد ليلي.. خرجت من المنزل بعد أن اشتريت نظارات جديدة بدل اللواتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *